إصلاح موضوع في التواصل و الأنظمة الرمزية



الموضوع : تقول الرموز أشياء و تفعل أشياء أخرى.
ما رأيك ؟



المقدمة:
لئن ظلت وسائل الإتصال لفترات طويلة منحصرة في بعض الأدوات التقليدية (كتاب،صحيفة،مذياع...)
مما جعلها محدودة الإنتشار ،مقتصرة على أوساط إجتماعية ضيقة،فإن تطور تكنولوجيات الإتصال قد وسع إنتشارها لتصبح جماهرية و لتصبح الإحداثية الأساسية لأشكال الوعي و السلوك من خلال الإعلام و الدعاية ،إلى درجة ساد فيها الإعتقاد بأننا نعيش ثورة كرست التواصل في أدق معانيه ووضعت حدا لعزلة الإنسان و لعوائق الإنفصال و للمسافات بين البشر و للامساواة الثقافية ،إلا أن العودة إلى الواقع و ما يتداخل فيه من أشكال توظيف و ما يضج به من مظاهر العنف و الإقصاء ،يكشف لنا إستحالة الأنظمة الرمزية إلى فضاء للمراوغة و الإغتراب ،الأمر الذي يوحي بمفارقة تقتضي إستئناف التفكير في الوظيفة الحقيقية والفعلية للرمز.



ما المقصود بالرمز ؟أين تكمن الوظيفة الفعلية للأبنية الرمزية؟هل في إعتبارها مجالا للتواصل و قول الحقيقة أم في إعتبارها فضاء للمغالطة و الإغتراب؟ و إذا كان ما يميز الإنسان هو قدرته على التحرر من الضرورة الطبيعية فكيف له أن يحقق تواصل يجسد حريته و إنسانيته في واقع تتزاحم فيه "النظم الرمزية و التقنية" في ممارسة شتى ضروب الإكراه على وعيه وعلى جسده ؟ هل يتعلق الأمر بأزمة تواصل أم أزمة وسائط؟


معجميا تعني كلمة "رمز"تمثل يحمل دلالة أو معنى و يحيل إلى إستحضار شييئا غائبا أو غير قابل للإدراك حسيا ،إنه تأسيس لعلاقة مماثلة بين شيئين أحدهما مرئي و الثاني لامرئي .إنه معنى و دلالة يؤكد تميز الإنسان و تفوقه على سائر الكائنات ،ما يجعل علاقة الإنسان بالعالم علاقة تمعين .فالرمز هو القدرة التي للإنسان على بناء العالم الإنساني الذي هو عالم المعنى ، قدرة تتحقق عبر فعاليات الإنسان الذهنية و التخيلية و العاطفية و تتجلى في منتجات الحضارة المختلفة .فالرمز هو ما يسمح بتمثل الأشياء و الإستعاضة عن حضورها المادي و التعبير عنها.و يتمتع الجهاز الرمزي لدى الإنسان بكل ما يجعله أداة توسع من واقع حياته ،معى ذلك أن الإنسان قد يكف عن على أن يعايش العالم في صورته المادية ليحوله إلى عالم رموز ،و كأن العالم المادي لا حقيقة له غير ما تعبر عنه الرموز بما هي أدوات تقوي الإنسان و تدعم إمكانية تفوقه على عالم لا يستطيع أن "يحدق فيه وجها لوجه "،فيستبدل هذا الفشل النسبي بالأدوات الرمزيةعلى أن الرمز و إن جعل ليعبر عن ذاته و عن العالم و ليتواصل به مع غيره و لعل ذلك هو مدلول كلمة"تقول"، فإنه جدير بنا أن نشير إلى أنها كثيرة هي الوضعيات التي تكشف لنا زيف هذا القول و خطأ الإعتقاد في قيمة الرمز و نزاهته و مصداقيته على قول الحقيقة إذ الرموز "تفعل"ما لا تعلن عنه و تمارس ما لا تصرح به ٠فإذا كانت الأنظمة الرمزية من دين و لغة و صورة...تدعي القدرة على قول الحقيقة و الشفافية في أداء التواصل ، فإن الوقوف على

حقيقتها الفعلية يكشف لنا العكس تماما ، فالإنسان إذ يتوسط الرموز معتقدا في نزاهتها و مستطاعها إنما يجد نفسه أمام ظله و ظل العالم الذي يعيش .فالرمز يبعدنا عن ذواتنا و عن الواقع ليختلق مسافة بيننا و بين ذواتنا و بيننا و بين العالم هي نفسها المسافة بين الوهم و الحقيقة و بين اللامعقول و المعقول ،ألم يقل نيتشة "إن الإنسان إبتكر اللغة وهو أول ضحاياها "؟ أليس المقدس الديني في تقدير لوكراس أو ماركس أو فرويد تجسيدا لشقاء الإنسان و إغترابه،إنه أفيون "أو وهم يخلو من كل قيمة واقعية ؟ و إذا اللغة تقول ما تقول حين تقول


فإننا نكتشف مع "برغسون"حدودها و قصورها إذ كثيرا ما تقف الكلمات حجابا بين الإنسان و ذاته و بين الإنسان و العالم و بين الإنسان و الإنسان،الأمر الذي يؤكد اللاتجانس بين اللغة و الحياة .فاللفظ لا يعبر عن حقيقة الفكر و لا عن حقيقة المشاعر ، بل قل أنه يشوههما إذ يوهمنا بثباتهما و الحال أنهما في حركة دائمة .فاللغة تجمد و تثبت الشعور و الفكر و تتنكر لتدفقهما المستمر،ما يحيلها إلى فضاء للمغالطة و الإغتراب ذلك أن الألفاظ لا تستبقي من الأفكار و المشاعر إلا جوانبهما العامة أما ما هو خاص فلا تطاله اللغة . و مثلما لا تعبر اللغة عن حقيقة الذات فإنها كذلك لا تقول حقيقة العالم الخارجي . إنها مجرد بطاقات ملصقة على الأشياء ،بل قل أن كل لفظ هو حكم مسبق على شيء.و ما دامت اللغة لا تقول الحقيقة فإن التواصل الذي تدعيه لن يكون سوى تناقلا للأكاذيب و الأوهام و المغالطات .إنها مجال للثرثرة و النفاق ،فنحن إذ نتكلم فلكي لا نقول شيئا...و لعل ما يقال على اللغة من مغالطة و كذب يقال على سائر الأنظمة الرمزية من آسطورة و دين و فن... ذلك أن إبتكار الرموز لا ينبع من إملاءات ذاتية و لا من إرادة فردية و لا من حاجيات شخصية ،بل هو نتاج و تأسيس إجتماعي أبتكر وفقا لغايات لا شخصية و تبعا لذلك فطبيعي جدا أن يغلب إرادة الجماعة على إرادة الفرد و يؤكد أولوية النحن على الأنا .على هذا النحو يستحيل الرمز إلى سلطة تلتهم إرادة الفرد و تقضي على فعاليته و تصادر حريته .إنها السلطة الرمزية التي حلت محل السلطة المادية .فبعد فوكو لم يعد بالإمكان

الحديث عن السلطة بوصفها إحالة على النفوذ و الحكم والسيطرة كإمتياز تختص به الطبقة الحاكمة أو الدولة ، بل السلطة تمارس في كل مكان و في كل إتجاه .فلا يوجد مكان لا توجد فيه السلطة ، و لا يوجد إنسان لا يمارس و لا تمارس عليه السلطة .فالسطة تتجسد في الإقناع ، في التأثير ، في الإغراء ، في الإغراء ، في الإستمالة و كسب الأنصار...بما يجعل الفرد يتوهم الحرية ، فإختراق الأنظمة لمختلف أوجه الحياة لا ينشئ عالما رمزيا موازيا للعالم المرئي بل يحجب العالم المرئي ليستبدله بعالم إصطناعي مركب لا يكرس سوى إغتراب الإنسان و ضياعه..و لعل التوظيف الإيديولوجي للكلام مثلا في مستوى الخطابة خير دليل على ما للغة من مستطاع في التأثير على العقول و على إستمالة الناس بحجج واهية و بإعتماد أساليب ديماغوجية ترتكز على تنميق الكلام و إنتقاء الألفاظ للتلاعب بأهواء الناس و برغباتهم على نحو يسهل إخضاعهم مما أعاق التواصل و قضى على كل ما هو إنساني .ألم يقل رولان بارث "إن اللغة فاشية؛فأن نتكلم معناه أن نخضع " ..بل قل أن الدين كنظام رمزي لا يختلف عن هذا الإستعمال الأداتي الذي حول اللمقدس إلى سلطة .فالدين بما يجذره في الإنسان من قيم القناعة و القدرـ الإلاهي ،من قيم الصبر و الحلم و بما

يركزه في الإنسان من آمال إنتظارية ووعود باليوم المشهود الموعود ،مثل الأداة التي شرعت الإسغلال و الإستعباد .إن الدين ملاذ الضعفاء الذين لم يجدوا من سبيل لتحقيق سعادتهم في الواقع فنشدوا سعادة في السماء،فى عوالم الماوراء هي في حقيقتها مجرد وهم نستبدل به حرماننا الواقعي و نشبع به رغباتنا المنشودة..و لا تختلف الصورة اليوم من جهة وظيفتها عن هذا الإستخدام الأداتي ، فقد حولت حضارتنا التقنية كل الأنظمة الرمزية إلى صور خالية من كل قداسة ليصبح المقدس الوحيد هو الصورة ،إنها هذا الدين الجديد الذي يسوق السعادة و التحرر و الرفاه لأناس مشبعون فقرا و إستعبادا و توترا ، في إطار حضارة حولت الإنسان إلى مجرد رقم في السجلات المدنية و السياسية و الإقتصادية ،يضاف بالولادة و الإنتداب و يطرح بالوفاة أو الطرد ،إنه إنسان فاقد لتوازنه النفسي و الجسدي بفعل حالة العزلة التي فرضتها عليه الأنظمة الرمزية ،فلم تعد صورة التدين حكرا على المؤسسة الدينية بل إمتدت لتشمل مختلف أوجه التجربة الإنسانية بحيث أصبحنا نرى في المصافحة و تحية العلم و التصفيق و رفع

الشعارات و الهتاف بحياة الزعماء ....ممارسات طقوسية جديدة.فالبحث عن الشهرة و السلطة و الثروة من خلال طقوس اللباس و الكلام و أدبيات الإستقبال و الإرسال ،يكشف في الواقع أننا في عصر يحتكم إلى أديان دنيوية مثل ديانة السوق و ديانة المال و ديانة الصورة و ديانة التقدم..كل هذا يؤكد أن تطور وسائل الإتصال المعاصرة لم يزد سوى في مضاعفة إغتراب الإنسان على نحو ألقى به في عزلة جليدية بلدت حواسه و أفرغت مشاعره من كل حميمية .فإنتصاب التليفزيون في ركن من البيت كاف للقضاء على كل العلاقات الحوارية داخل العائلة و إنعقاد كل الألسن أمام المشهد التلفزي ليعم الصمت ،طالما أن الصمت مطلبا جماعيا و "سلوكا حضاريا "أمام هذا الجهاز الذي لا ينقطع لحظة عن بوابل من الصور التي تحول بيننا و بين سماع بعضنا ، الأمر الذي شرع للحديث عن أزمة تواصل نعيشها اليوم و عن صدمة ثقافية أزمت كل المرجعيات دينية كانت أو فلسفية ...إذ يقول ديبراي "حين يغدو عصر الشاشة مسيطرا أينما كنا ستكون فضيلته الفساد و منطلقه الإمتثالية و أفقه عدمية مكتملة" ذلك هو العنف الرمزي الذي يظهر اليوم في أدق معانيه في الصورة كتعبير رمزي عن السلعة . فالصورة التي تدعي التواصل مع الآخر بالقضاء على الحدود الجغرافية و توحيد المكان و الإنسان ، وحدت الإنسانية لكن إستهلاكيا ، توحيدا تختفي وراءه نوايا إيديولوجية و سياسية


لا تنقطع لحظة عن توجيه الأبصار و البصائر و التأثير في الأنفس و العقول على نحو نمط السلوك و دجن الوعي و إستباح الجهل بالذات و بالعالم و بالآخرين و بشكل إستقبح الجمال و إستجمل القبح..إنه عصر الصورة ، المشهد و الفرجة الذي حل محل العقل و التفكير و اللغة و الحوار ، عصرا أصبح فلاسفته و أنبياءه و مفكروه هم الراقصات و الرياضيين و المذيعين ... عصر تراجعت فيه كل القيم لتتضخم داخله المراوغة و الكذب و الأحلام الوهمية و الوعود الزائفة .كل ذلك يؤكد أن النظم الرمزية مهما إدعت من المصداقية و القدرة على التعبير و التواصل إنما تقول ما لا تفعل و تعلن غير ما تمارس

،تظهر أشياء و تفعل أشياء أخرى.


النقاش:المكاسب
إذا كان لمثل هذا الموقف من أهمية فإنها تكمن في بعده النقدي للأنظمة الرمزية عموما، نقد يحررنا من التعامل الوثوقي الدغمائي مع الرمز على نحو يمكننا من التحرر من الوهم الشائع الذي يؤكد سيادة الإنسان على رموزه ،إذ الأبنية الرمزية منظومات متعالية على الأفراد ، تفرض عليهم فرضا على نحو يسلبهم إرادتهم و فعالياتهم ،بل قل أن ما يمكن تثمينه في هذه الأطروحة هو وعيها بوجود أزمة تعيشها البشرية خصوصا اليوم ، و فضحها للإستخدام المزدوج للأنظمة الرمزية و للتوظيف الإديولوجي للرموز في ظل واقع يسعى جاهدا إلى إخفاء كل أزماته للظهور بمظهر الأفضل .
الحدود:


على أن هذا التصور على ما هو عليه من أهمية فإنه لا يخلو من مغالطات و إحراجات من ذلك مثلا أنه ينبني على غفلة بما للرموز من قدرة على التعبير و التواصل ،إذ مهما كان قصورها و محدوديتها تبقى الأدوات المثلى للإنسان للإفصاح و التبليغ ، إذ لو كان لنا أن نتخلى عن الرموز لكان معنى ذلك أن نتخلى عن الوجود ،فالوجود الإنساني بالأساس وجودا رمزيا ،أما ما يقال عنها من مراوغة وتظليل فذلك ليس مرده الرمز في حد ذاته بل فساد الطبيعة البشرية و إفتقارها للقيمة إذ المغالطة لا تقوم في صلب الرمز بل في إستخدامه السلبي من قبل الإنسان و بالتالي فإن الأزمة ليست أزمة وسائط بل أزمة تواصل .أكثر من ذلك إن هذا التعامل النقدي مع الرمز لا يجب أن يشكل ذريعة للتخلي عنها و التشكيك في قيمتها قدر ما يجب أن يشكل حافزا للوعي بمخاطر توظيفها مراهنة على تحريرها بما يساهم في تحرر الإنسان.


الخاتمة:
من كل ذلك ننتهي إلى أن الأزمة التي تكرسها الأنظمة الرمزية تجعل إنتشال الذات من الإغتراب و الضياع ضرورة تقتضي التحول من سلبية الإنوجاد التي يحايثها الخضوع و الوثوقية إلى فعالية الوجود و الإيجاد و ما تشترطه من نقد و رفض و مواجهة ،الأمر الذي يبعث على التساؤل عما إذا كان ممكنا أن نتحرر اليوم من سلطة الأنظمة الرمزية و التقنية بإعتماد النظام الرمزي ذاته