الثروة العربية المهملة في الصين

حسين إسماعيل

الدول الناجحة تُحسن توظيف مواردها، حتى وإن لم تكن نفطا وذهبا وقمحا، فسنغافورة مثلا، وهي دولة في مدينة مساحتها سبعمائة وعشرة كيلومترات مربعة، يسكنها نحو خمسة ملايين نسمة، كان إجمالي ناتجها الوطني سنة 2008، ما يعادل 238 مليار دولار أمريكي، أي أعلى كثيرا من الناتج الإجمالي في دول عربية عديدة تمتلك ثروات وموارد لا تتوفر لسنغافورة. سنغافورة استثمرت موقعها وعقول أبنائها وصارت صاحبة شركة الطيران الأولى في العالم وصارت مقصدا سياحيا ومركز مواصلات إقليميا وعالميا. الدول الناجحة تبحث عن موارد لها داخل حدودها وخارجها، سواء كانت تلك الموارد مادية أو معنوية أو بشرية أو غير ذلك.


أبناء الوطن، أي وطن، الذين يعيشون خارج حدوده ثروة، ليس فقط بمعيار مادي يتمثل في تحويلاتهم المالية إلى أوطانهم، والتي تمثل في دول مثل مصر والهند وسورية مصدرا مهما للدخل الوطني بالعملة الصعبة، وإنما أيضا بما يحققون من نجاح وسمعة طيبة وشهرة في أماكن وجودهم، إذ يصيرون سفراء دائمين وأجهزة إعلام متنقلة وواجهة وعنوانا لأوطانهم الأصلية، خاصة وأن الغالبية العظمى منهم يحرصون على التواصل مع أوطانهم والتفاعل مع قضاياه وهمومه. ومن أجمل ما قيل في ارتباط المواطن بوطنه، بعيدا عن علاقة الالتصاق الجغرافي والوجود المادي، قول البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، في علاقة المصري بوطنه مثلا: "مصر لست وطنا نسكنه، بل وطن يسكننا". وأحسب أن هذا يقال عن علاقة كل إنسان بوطنه مهما بعُد عنه.


في أحد أيام شهر مايو السنة الماضية وضعت العديد من الصحف الصينية في صدر صفحاتها الأولى خبرا اختلفت عناوينه ولكن مضمونه واحد.. الحكومة الكندية تقرر تعيين مارك روزويل مفوضا عاما لكندا في معرض الإكسبو الدولي 2010 الذي سيقام بشانغهاي هذا العام.


مارك روزويل مواطن كندي يبلغ من العمر خمسا وأربعين سنة، درس اللغة الصينية في جامعة أوتاوا، وفي سنة 1988 حصل على منحة لاستكمال دراسة اللغة الصينية في جامعة بكين. منذ ذاك اتخذ مارك روزويل اسما صينيا هو دا شان، الذي يعني الجبل الكبير، وبقي في الصين وصار شخصية معروفة بفضل إجادته اللغة الصينية وانخراطه في المجتمع الصيني وظهوره في العديد من البرامج التلفزيونية، بل والإعلانات.


قرار الحكومة الكندية باختيار دا شان ليكون المفوض العام لكندا في إكسبو شانغهاي 2010 الذي أعلنه في الثاني عشر من مايو العام الماضي، وزير الشؤون الخارجية الكندي لورانس كانون، جاء فيه.. "كونه مواطنا عالميا، وسفيرا ثقافيا، سيكون روزويل الممثل الرسمي لترويج كندا في الصين واستقبال الضيوف في جناحنا".


الصين بها عشرات من العرب، ربما ليسوا في شهرة دا شان إعلاميا، ولكنهم لا يقلون عنه في مكانتهم، بل يبزونه بمعيار جدية مساهماتهم وعمقها حيثما يكون وجودهم، فهم يحظون باحترام وتقدير الهيئات الصينية، ومنهم أسماء معروفة إعلاميا وفي الدوائر الثقافية، ومنهم من يحملون أرفع الأوسمة والجوائز في الصين، ومنهم خبراء حقيقيون في الشؤون الصينية ومنهم من يتحدثون الصينية كأهلها ويعرفون الثقافة والشخصية الصينية ولديهم القدرة على النفاذ إلى قلوب وعقول الصينيين. منهم من جاء إلى الصين قبل دا شان واستوطنها وصاهر أهلها وصار أبناؤه مزيجا عربيا صينيا، ملامح وثقافة ولسانا، ومنهم من فطنت الصين إلى دوره واستثمرته في تعزيز علاقاتها العربية. الصين بها ثروة عربية ثمينة، ولكنها ثروة مهملة، إذا أمكن استثمارها ستحقق خيرا كثيرا وفوائد جمة للعرب في بلد يقال إنه العربة الأخيرة للعرب في قطار القوى الكبرى في العالم.


فؤاد المبروك، اسم لامع في الصين، وبخاصة في الدوائر ذات التأثير في مجال المال والأعمال وصنع القرار بحكم موقعه على رأس الفندق المصنف رقم واحد بين الفنادق الخمس نجوم في بكين من حيث العائد المالي منذ سنة 2003. قصة فؤاد المبروك لا تنتهي عند كونه مدير عام فندق غراند حياة بكين، فالشاب العربي الذي يكبُر دا شان الكندي بسنتين، أمضى في الصين سنوات أكثر مما أمضى في وطنه تونس. جاء فؤاد المبروك إلى الصين سنة 1983، قبل مارك روزويل بخمس سنين، لنفس الغرض وهو الدراسة في الصين. ولكن فؤاد لم يأت لدراسة اللغة الصينية تحديدا. حصل فؤاد المبروك على منحة للدراسة في هذا البلد الذي ربما لم يكن في بداية ثمانينات القرن الماضي جاذبا لصبي طموح. درس المبروك اللغة الصينية لمدة سنة، شأن الطلاب الجانب الآخرين الذين يأتون للدراسة في الصين وذلك بمعهد اللغات الأجنبية ببكين، قبل أن ينتقل للدراسة التخصصية في واحدة من أعرق وأفضل جامعات الصين وهي جامعة تشينهوا، حيث درس هندسة الطاقة الكهرومائية. ولكن بعد تخرجه، اختار فؤاد المبروك مجالا بعيدا كل البعد عن تخصصه الدراسي، إذ انضم لمجموعة موفنبيك للفنادق والمنتجعات، ثم فندق جيانقو وفنادق أخرى، متدرجا من العمل مديرا لخدمات النزلاء ومديرا للمبيعات ثم مديرا عاما لواحد من أكثر فنادق بكين شهرة وفخامة.


خلال سنواته العديدة في الصين وانخراطه في مجتمعها، يتفاعل فؤاد المبروك مع أحداث الصين ويشارك فيها، كما فعل خلال كارثة زلزال سيتشوان 2008 عندما تبرع لمحمية الباندا في المقاطعة المنكوبة.


جعفر كرار أحمد، وجه عربي آخر يمكن أن تراه في محطات التلفزة الصينية أو على صفحات الجرائد، وقد تصادفه في ندوة أو مؤتمر يبحث قضايا تخص الصينيين والعرب. جاء الدكتور جعفر كرار إلى الصين في أوائل تسعينات القرن الماضي بغرض الدراسة، وقد حصل على درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة نانجينغ سنة 1995 وكان موضوع رسالته (العلاقات الصينية العربية من فترة ما قبل الإسلام حتى الآن)، وبقي في الصين وقام بدراسة ما بعد الدكتوراه في جامعة بكين، حملت عنوان "سياسة الصين في الشرق الأوسط وشمالي أفريقيا" من سنة 1996 حتى سنة 1998.


كتب جعفر كرار عن تاريخ العلاقات الصينية العربية في مراحلها المختلفة، ومن ذلك بحث بعنوان (العلاقات بين الصين وشبه الجزيرة العربية منذ ظهور الإسلام حتى بداية القرن العشرين)، وبحث آخر بعنوان (العلاقات الصينية العربية خلال فترة أسرة تانغ). بوثه تشمل العلاقات العربية والصينية في الإطار الجماعي بكافة جوانبها، و العلاقات الثنائية للصين مع دول عربية عديدة؛ السودان، مصر، المغرب، اليمن والسعودية. وتوغل في الجذور التاريخية للصينيين المسلمين، فكتب عن الجذور التاريخية لقومية هوي الصينية، وعن العرب القدماء ومجتمعات المسلمين في الصين.


لا تقتصر مساهمات الباحث السوداني جعفر كرار على كتاباته ومساهماته الفكرية وإنما يشارك بفعالية في نشاطات تعزز الروابط الصينية العربية وتصحيح الرؤى غير الصائبة التي قد تظهر لدى البعض في الصين بشأن القضايا العربية. وقد أسس جعفر كرار مع آخرين اللجنة العربية الأفريقية للتضامن مع أولمبياد بكين عندما علت أصوات في الغرب تطالب بمقاطعة الحدث الرياضي الكبير على خلفية موقف الصين من قضية دارفور السودانية، وعندما اختتمت الدورة الأولمبية بنجاح أصدرت اللجنة بيانا بثته وكالة شينخوا الصينية للأنباء في 25 أغسطس 2008، أشادت فيه بانتصار إرادة الشعب الصيني في استضافة هذا الحدث الضخم. وكان لجعفر كرار دور قال إنه يفخر به في تسهيل إطلاق سراح مختطفين صينيين على أيدي جماعات مسلحة في السودان. وتتواصل مساهمات جعفر كرار على جبهات مختلفة من أجل هدف نبيل هو توثيق العلاقات الصينية العربية.


عزت سبع شحرور، مدير مكتب قناة الجزيرة القطرية ببكين الذي لفت انتباه الصينيين عندما أصر ذات مرة في مؤتمر صحفي لوزير خارجية الصين السابق لي تشاو شينغ على توجيه سؤاله له باللغة الصينية مفضلا إياها على الإنجليزية، فاحتلت صورته صفحات الجرائد الصينية في اليوم التالي. والحقيقة أن عزت شحرور، الذي درس الطب واشتغل بالدبلوماسية قبل أن يهجرها إلى الإعلام، كان قبل واقعة المؤتمر الصحفي مشاركا متحمسا في العديد من الندوات والمحافل المهتمة بالعلاقات الصينية العربية وبالقضايا العربية، وكانت له مبادرات خلاقة عديدة لمحاولة تكوين رابطة عربية فاعلة في الصين في وقت كان عدد العرب في هذا البلد جد قليل، ومازال له حضوره القوي في المنتديات الإعلامية بالصين.


جاء الشاب الفلسطيني المولود في حلب السورية، إلى الصين في مطلع ثمانينات القرن الماضي، حيث درس اللغة الصينية لمدة سنة في معد اللغات (جامعة اللغات والثقافة حاليا) ببكين قبل أن يلتحق بجامعة الصين للعلوم الطبية في شنيانغ بمقاطعة لياونينغ التي تخرج فيها سنة 1987 طبيبا ينطق لغة الصور المربعة كأهلها. وبعد بضع سنوات من العمل الدبلوماسي في سفارة فلسطين لدى لاوس ثم كوريا الشمالية عاد عزت إلى الصين سنة 1992 حيث كان المسؤول الصحفي والإعلامي بسفارة فلسطين حتى انتقل للعمل مديرا لمكتب الجزيرة في العاصمة الصينية.


مقالات وتعليقات عزت شحرور في أجهزة الإعلام الصينية تحرك المياه وتثير الأمواج وتفتح الشهية لمعرفة المزيد عن قضايا الشرق الأوسط. وعندما تعرّْض مجموعة من الصينيين للاختطاف على أيدي الجماعات المسلحة في العراق سنة 2004 سعى إلى بث نداء إطلاق سراحهم عبر قناة الجزيرة. كنت إلى جواره عندما أٌعلن نبأ إطلاق سراح المختطفين في شهر إبريل سنة 2004 فاتصل على الفور بمسؤول صيني يهنأه، فقد كان يشعر بأنه جزء من عملية تحريرهم.


هذه ثلاثة نماذج من قائمة طويلة لثروة عربية موجودة ومنتجة وفاعلة في الصين ولكنها، في تقديري، لم تستثمر بعد .الاستثمار الأمثل من قبل أوطانها، خاصة وأن عددا كبيرا من أعضاء الجاليات العربية في الصين لديهم الاستعداد والرغبة في القيام بأي عمل من شأنه خدمة أوطانهم وتعزيز روابطها مع الصين، البلد الذي يحبونه ويعيشون فيه ويعتبرونه الوطن الثاني لهم.